الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

58

نفحات الولاية

فاقتلني معهما ، حيث كان يعتبر ذلك الأعرابي أن قتلهما يعني تقصيره في أداء الأمانة . فما كان من بسر إلّاأن قتلهما وقتل هذا الأعرابي . « 1 » على كل حال إطلع أمير المؤمنين علي عليه السلام على هذه الأخبار الأليمة فساءه ذلك فقال : « أُنبئت بسراً قد اطَّلع « 2 » اليمن وإني واللَّه لأظن أنّ هؤلاء القوم سيدالون « 3 » منكم » ، ثم تطرق عليه السلام إلى علل هذه الدولة ليسلط الضوء على أربعة عناصر مهمّة تقف وراء النصر ، فقال عليه السلام : « باجتماعهم على باطلهم ، وتفرّقكم عن حقّكم » . فالاتحاد دعامة النصر ولاسيّما إذا سادت الوحدة أتباع الحق . ولكن يا لها من مصيبة أن يتفرق دعاة الحق عن حقهم ويجتمع دعاة الباطل ويتحدون على باطلهم ! رغم أنّ الباطل مصدر الخلاف والتشتت وأنّ الحق مركز الإخاء والوحدة . نعم فإنّ الوفاق والاتحاد لمن دوعي النصر والنجاح في كل عمل وإنّ الشقاق والفرقة لمن دواعي الهزيمة والفشل . أمّا العنصر الثاني فيخلّص في الطاعة وامتثال الأوامر التي كانت سائدة لأصحاب الباطل وعدم طاعة أهل الحق لإمامهم : « وبمعصيتكم إمامكم في الحقّ ، وطاعتهم إمامهم في الباطل » . أجل فالانضباط والطاعة حيثما كانت إنّما تقود إلى النصر والغلبة . وليس لجيش ولا لُامّة أن تبلغ ما تريد دون رعايتها للانضباط وطاعتها لآمرها وزعيمها ، ومن هنا ورد التأكيد في كافّة الدوائر والمؤسسات اليوم على مسألة الانضباط والالتزام بالمقررات . العنصر الثالث يتمثّل بالأمانة والوفاء بالعهد والتي تقابلها الخيانة ونقض العهود ولاسيّما حيال الرؤساء والزعماء « وبادائهم الأمانة إلى صاحبهم وخيانتكم » فأمانتهم إنّما دفعت بهم لتعبئة كافّة الإمكانات والطاقات ضد أعدائهم ، في حين بددت خيانتكم هذه الطاقات وذهبت بها أدراج الرياح ، وهل من مصير ينتظر من ضيع طاقاته وبدد إمكاناته سوى الهزيمة

--> ( 1 ) الكامل لابن أثير 3 / 383 ؛ تأريخ الطبري 4 / 106 ، 108 . ( 2 ) اطلع ، تعني في الأصل النظر من الأعلى ، واستعملت كناية عن النصر والغلبة المفاجأة ، مادة « طلوع » بمعنىالظهور . ( 3 ) « يدالون » ( فعل مضارع مجهول من باب الأفعال ) من مدة دولة بمعنى الانتقال من مكان إلى آخر . ومن هنا أطلقت الدولة على المال والثروة التي تتداول بين الناس ، والمراد بها في هذه العبارة سيغلبونكم وتكون لهم الدولة بدلكم .